تخيل أن يغير مخلوق صغير هش كامل مجريات حياتك؟
إن المهرب محض وهم، فجميعنا يدرك أنه يحمل ذاته بداخله أينما هرب.
-إريكا يونغ.
رواية الحمامة، إحدى روائع باتريك زوسكيند. تعتبر من الروايات القصيرة، أو كما أحب تسميتها – روايات الجلسة الواحدة – تتحدث الرواية عن حارس أمن لإحدى البنوك، يعيش حياة رتيبة. يذهب إلى عمله بالوقت المحدد، يعود بالوقت المحدد، لا شيء يتغير في أيامه سوى التاريخ، لدرجة انه يحفظ مجريات أيامه عن ظهر غيب. تخيل أن تصل آخر حدود الرتابة ، هذا ما حدث مع بطل قصتنا.
إلا أن هذه الرتابة لم تكن حاضرة طوال حياته، فقد غابت والدته غيابًا لم يفهمه كطفلٍ صغير، وكانت المبررات لغيابها المفاجئ مختلفةً وكلُ قول كان ينقصه الدليل. عمل بطلنا بعدها في الجيش، وأي رتابة تلك التي يمكن أن يجدها المرء في الحروب؟ وحين عاد، عاد فوجد اخته.. إلا أنه لم يجدها، فلم يجد إلا الأقوال عن هربها، رحيلها، وانها هاجرت إلى دولة بعيدة، والأقوال.. كل الأقوال، ينقصها الكثير... والفقد ليس همًا تافهًا، أو ضئيل.
بعدئذ، زوجه عمه من فتاة تدعى ماري، أنجبت طفلاً بعد أربعة أشهر من زواجهما، وهربت – ككل النساء في حياته – مع تاجرٍ لا يعرف حتى اسمه، ولا يعرف عنه سوى الشيء القليل.
"إثر كل هذه الوقائع توصل جوناثان نويل إلى عبرة مفادها أن الناس لا يوثق فيهم، وأن على الإنسان، إذا أراد الهدوء والسلامة، أن يعتكف عنهم."
إثر هذه الأحداث، أعتزل نويل البشر. لا، بل اتخذ المنعطف الأقسى، وهرب، ككل من هربوا من حياته، وبدأ حياةً جديدة. بعيدةً كل البعد عن ألمه، حزنه، ومصائبه.
عاش نويل في عزلته ولسنين كثيرة أيامًا رتيبةْ، حتى باغتت صفو رتابته يومًا حمامة قابعة امام باب غرفتة الصغيرة، وكاد نويل أن ينهار سوى أنهُ تماسك باللحظة الأخيرة، وقرر الهرب، وحزم امتعتة القليلة.. ولكن، هل سيتمكن هذه المرة من الهرب مجددًا؟ وهل ستنجح محاولة هربه الأخيرة؟
- مها الفهيدي
كيف يمكن لحمامة أن تكسر رتابة سنوات طويلة واعتيادية روتين متكرر؟
يأخذك الكاتب باتريك زوسكيند في كتابة "الحمامة" في رحلة فلسفية تحكي عن رجل عجوز تُنهي رتابة أيامه حمامة! نعم، الحمامة التي لطالما عرفناها كرمزٍ للسلام؛ تأتي لتقلب حياته رأسًا على عقب، فتفتح ملفات قديمة، وتجعل بطل قصتنا يقف حائرًا وحده لا يعلم متى بدأ كل هذا...
ولكن هل حقًا كان كل هذا ذنب الطائر الصغير؟
من خلال الغوص في معاني الكتاب والإبحار في رمزياته الدقيقة، ستجد أن الحمامة لم تكن إلا نسمة ريح هبّت على غطاء قرطاسي يخبئ تحته ذكريات عديدة وتاريخ طويل كان يظنه الرجل العجوز قد دُفن واندثر، فيخيل له أن الحمامة هي من عصفت بحياته، إلا اننا ندرك أن مخاوف العجوز تشكلت على شكل حمامةْ لتزيل الغبار من على كل ما طواه ولم يتشجع يومًا على مواجهته، حتى أخذت السنين تتراكم فوقه، حينها فقط يجد نفسه عاريًا تمامًا امام ماضيه، حاضره ومستقبله!
- شموخ أحمد
تعليقات
إرسال تعليق